موفق الدين بن عثمان
78
مرشد الزوار إلى قبور الأبرار ( الدرر المنظم في زيارة الجبل المقطم )
في نفسه : أنا آخذ هذا عوضا عن ولدى ، فأخذه وجاء به إلى منزله وهو فرحان ، وقال لزوجته : إن اللّه تعالى قد عوّضنا هذا الغلام ، فخذيه وربيه ليكون لنا ولدا . فلما نظرت إليه بكت بكاء شديدا وقالت له : هذا - واللّه - ولدى ، وقصّت عليه القصة . فقال : الحمد للّه الذي جمعه علينا . ونشأ الشيخ من صغره منشأ حسنا ، وقرأ القرآن وعمره سبع سنين ، واشتغل بالقراءات السبع ، والعلوم الشرعية إلى أن برع فيها ، ثم تصوّف ، وفتح اللّه عليه ، فكان من أصحاب الكشف التام ، وظهرت له كرامات خارقة « 1 » . كراماته : وكان الشيخ أبو العباس معاصرا لسيدي أبى السعود بن أبي العشائر ، وكان بينهما مودّة واتصال ، وكانت طريقة الشيخ أبى العباس التجريد والتقشف ، والمأكل الخشن ، وكان عنده فقراء في الزاوية ، أكثر أكلهم - عنده - القراقيش والليمون المالح ، وكانت طريقة أبى السعود في مأكله وأصحابه الأطعمة المفتخرة والحلوى ، فوقع في أنفسهم الذهاب إلى سيدي أبى السعود لأجل المأكل الحسن ، فلما ذهبوا إلى أبى السعود قدّم لهم ليمونا مالحا وقراقيش ، فقالوا في أنفسهم : نرجع إلى الشيخ أبى العباس ونقنع بما قسم اللّه لنا . فلما جاءوا إلى سيدي أبى العباس نظر إليهم بعين قلبه وقال لأحدهم : خذ هذه اللّبنة « 2 » وامض إلى الصاغة وجئ بثمنها . فأخذها ومضى إلى الصاغة ، فنظر إليها فإذا هي ذهب أحمر ، فباعها بألف دينار ، وجاء بالثمن إلى الشيخ ، فقال الشيخ : كم فقيرا أنتم هاهنا ؟ قالوا : عشرة . قال : فليأخذ كلّ منكم مائة دينار ويخرج عن صحبتي ، لأن الفقراء لا يصحبهم من يريد الدنيا ، وأنتم ملتم إليها وإلى مالها
--> ( 1 ) انظر المصادر السابقة . ( 2 ) اللبنة : الطوبة .